ابن عطية الأندلسي

377

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وحده « ميسرة » بضم السين ، وقرأ باقي السبعة وجمهور الناس « ميسرة » بفتح السين على وزن مفعلة ، وهذه القراءة أكثر في كلام العرب ، لأن مفعلة بضم العين قليل . قال أبو علي : قد قالوا : مسربة ومشربة ، ولكن مفعلة بفتح العين أكثر في كلامهم ، وقرأ عطاء بن أبي رياح أيضا ومجاهد : « فناظره إلى ميسره » على الأمر في « ناظره » وجعلا الهاء ضمير الغريم ، وضما السين من « ميسره » وكسرا الراء وجعلا الهاء ضمير الغريم ، فأما ناظره ففاعله من التأخير ، كما تقول : سامحه ، وأما ميسر فشاذ ، قال سيبويه : ليس في الكلام مفعل ، قال أبو علي يريد في الآحاد ، فأما في الجمع فقد جاء قول عدي بن زيد : [ الرمل ] أبلغ النّعمان عنّي مألكا * أنّه قد طال حبسي وانتظار وقول جميل : [ الطويل ] بثين الزمي - لا - إنّ - لا - إن لزمته * على كثرة الواشين أيّ معون فالأول جمع مالكة ، والآخر جمع معونة ، وقال ابن جني : إن عديا أراد مالكة فحذف ، وكذلك جميل أراد أي معونة ، وكذلك قول الآخر : [ الرجز ] « ليوم روع أو فعال مكرم » « أراد مكرمة » ، فحذف قال : ويحتمل أن تكون جموعا كما قال أبو علي . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : فإن كان ميسر جمع ميسرة فيجري مجرى هذه الأمثلة ، وإن كان قارئه أراد به الإفراد فذلك شاذ ، وقد خطأه بعض الناس ، وكلام سيبويه يرده ، واختلف أهل العلم : هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة : واقف على أهل الربا أو هو منسحب على كل ذي دين حال ؟ فقال ابن عباس وشريح : ذلك في الربا خاصة ، وأما الديون وسائر الأمانات فليس فيها نظرة ، بل تؤدى إلى أهلها ، وكأن هذا القول يترتب إذا لم يكن فقر مدقع وأما مع الفقر والعدم الصريح ، فالحكم هي النظرة ضرورة ، وقال جمهور العلماء النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الدين ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة ، فسره الضحاك . وقوله تعالى : وَأَنْ تَصَدَّقُوا ابتداء وخبره خَيْرٌ ، وندب اللّه تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره ، قاله السدي وابن زيد والضحاك وجمهور الناس . وقال الطبري وقال آخرون معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم ، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة أقوالا لقتادة وإبراهيم النخعي لا يلزم منها ما تضمنته ترجمته ، بل هي كقول جمهور الناس ، وليس في الآية مدخل للغني ، وقرأ جمهور القراء : « تصّدقوا » بتشديد الصاد على الإدغام من تتصدقوا . وقرأ عاصم « وأن تصدقوا » بتخفيف الصاد وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود « وأن تصدقوا » بفك الإدغام . وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال : كان آخر ما أنزل من القرآن آية الربا ، وقبض